علاقة صديقين انتهت بسقوط حر

لا شك أن الرئيس الحالي، محمد ولد الشيخ الغزواني، والرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز كانا صديقين منذ عقود تقاسما خلالها الحلو والمر، الصعب والسهل، السلاح والأمن والمبادرات والرؤى والأحلام. تقاسما كل مناحي الحياة كرفيقي درب يجمعهما كل شيء إلا المزاج: فغزواني ذو طبع هادئ، كيّس، متعقل. وعزيز ذو طبع هائج، فائر، متعجل ومتهور. غير أن اختلاف الأمزجة لم يكن أبدا مانعا من الصداقة والإخلاص المتبادل، لذلك ظلا شريكين بحكم الزمالة والانسجام والرفقة.

وإن الناظر بعين متفحصة لعلاقة الرجلين يكتشف أن مواصفاتهما وصفاتهما جعلت كلا منهما مكملا للآخر، لذلك نجحا، بتوطئة الأكناف وبالتهور، من إفشال انقلابين، وإنجاح انقلابين. وبالتالي كان من البداهة بمكان أن غزواني كان حاضرا في نظام عزيز. فكان، خلال المأمورية الأولى، شريكا حقيقيا في السلطة، له حصته من التعيينات في الحكومة وفي الإدارات وفي الدبلوماسية.

غير أن عزيز، دون شريكه، أحكم قبضته على الحرس الرئاسي (بازيب)، وأحكم قبضته، دونه، على البرلمان بخلقه لنواب من صناعته وحده، ومن دونه أيضا أحكم قبضته على المال والأعمال بخلق رجال أعمال ومقاولين لم يكونوا ليبرزوا للوجود لولاه.

وفي هذه المرحلة، التي شملت المأمورية الثانية وآخر المأمورية الأولى، بدأ عزيز يقلص حصص شريكه غزواني من التعيينات، ثم بدأ بعزل من عينوا له في كافة الميادين. ثم بالغ في استصغار صديقه من خلال التعامل غير اللبق. وبحكم كياسة غزواني وترويه، وبحكم معرفته الكبيرة لصديقه، وتمشيا مع قيم الانضباط العسكري، وحفاظا على مصالحه، تعامل مع هذا الإقصاء وهذا السلوك بكل صبر، مؤكدا أنه “ما يزال وسيبقى تحت التصرف”. وأوضح، بما لا يدع مجالا للشك، أنه بالفعل تحت التصرف (إن لم يكن يزيد) بعد ما عُرف بـ”رصاصة اطويله” إذ حفظ لصديقه الود وحافظ له على المقعد رغم كل الضغوط الداخلية، ورغم جفائه له، ورغم أن الظرف موات لانقلاب سيدعمه الشعب حسب كل المؤشرات. غير أن عزيز واصل تجاهل رفيقه وواصل إقصاءه من أي شراكة فعلية في السلطة، غارقا في ارتياحه المفرط بأن غزواني لا يعصي له أمرا ولا يطمح لشيء.

وعندما تأكد عزيز أن المأمورية الثالثة مستحيلة في ظل الاحتقان السياسي، وأنها لا تجد سندا لها حتى داخل المؤسسة العسكرية، بدأ في “الخطة ب” المتمثلة في تقديم “أضعف رئيس” و”أخلص رئيس” ليتسنى عزله بأية طريقة والعودة إلى القصر الداكن من باب آخر.

عاد عزيز إلى أوراقه الداخلية فرتبها من جديد وأحكم السيطرة عليها (حسب اعتقاده)، فرفض انتخاب قيادة جديدة للحزب الحاكم وعمل على انتخاب لجنة مؤقتة لتسييره من خلصائه ومن أكبر الذاعنين له، وإبقاء المؤتمر العام في حالة انعقاد دائم ليتسنى له لاحقا التربع على الحزب كأكبر ذراع سياسي للنظام (وهو ما اعتبر خطأ سياسيا في وجه انتخابات رئاسية حاسمة). لكنه بهذا سيطر على الجانب السياسي الذي سينفذ به مخططه مستقبلا خاصة أنه كان قد اختار مرشحين للنيابيات لا يملك بعضهم أي بعد شعبي أو ثقل انتخابي أو مكانة خاصة، محاولا بذلك جعلهم لا يوالون أبدا غيره لأنه ما كان لهم أن يكونوا لولاه هو (شأنهم في ذلك شأن اللقطاء في حرس القصور الملكية، لا ينحازون لغير القصر لأنه لا منة لأحد عليهم غير القصر). إذن سيطر عزيز على “بازيب” ببيادقه التي اختارها، وهيمن على البرلمان بصنيعته، ووضع الحزب تحت تصرف لجنة صغيرة مكونة من المقربين الخاضعين له وحده. وببساطة تصور أن كل شيء أصبح جاهزا لتنفيذ “الحطة ب” فور الحاجة إليها.

إذن كان غزواني، ضمن كل هذا المسلسل، مجرد قائد لأركان الجيوش ينتظر منه  فقط أن يلعب “لعبة الكراسي” التي يخطط لها عزيز لأن أقصى ما يتطلع إليه رئاسة صورية يختم بها مشواره الوظيفي، انطلاقا مما أبدى من صبر على “الغبن” السلطوي و”الجور” السلوكي.

ولا شك أن عزيز، انطلاقا مما سبق ذكره، تصور أن غزواني الرئيس سيبقى غزواني المرؤوس: لا طموح، لا اعتراض (يكتفي من الغنيمة بالإياب). فقدمه للانتخابات الرئاسية، لكنه في نفس الوقت نتف ريشه وقطع جناحيه خوفا من أن يطير بعيدا (هكذا يبدو الأمر بعد تسريبات أو مونتاجات المكالمات المعروفة، وبعد فرض غزواني على لجنة إعلامية عملت فور إنشائها على توتير علاقة المرشح ببعض الجهات الانتخابية خاصة القادمين من المعارضة لتعقيدهم وتنبيههم إلى أنهم غير مرحب بهم في العهد الجديد-القديم). نفس الشيء فعله عزيز مع اللجنة المالية للحملة الانتخابية إذ اختار أشخاصا من من تعودوا على التواطؤ معه على المال فصب فيهم كل مصادر تمويل الحملة (حتى أنه منع غزواني من الأموال التي ساعده بها الأهل). ومعروف أن حملة الولايات شهدت أزمة سيولة كادت تعصف بالمرشح لولا المبادرات الشخصية. وفي آخر خطة للانتقاص من قيمة المرشح، لتسهيل إسقاطه عند الضرورة، تقديم أوامر للمهرج زيدان ليكون لصيقا به في كل مهرجاناته الانتخابية. بيد أن غزواني تلافى ما أمكن من العثرات (المطروحة في طريقة عن قصد) فأمر كتاب اللجنة الإعلامية لعزيز، بالكف عن شتم مناصريه القادمين من غير الحزب الحاكم، ونهر زيدان آمرا إياه بالإقلاع أو التخفيف من التهريج المضر بسمعة المرشح. لكنه ظل مخلصا لسلوكه الهادئ وترويه وبعده من الصدام وقربه من رفيق دربه رغم كل المطبات ورغم الشائعات التي يروج لها داعمو الرئيس السابق والتي ما فتئت تؤكد أنه مجرد “بائع في حانوت لعزيز” (وكّاف).

انطلقت الحملة إذن في جو يطبعه الحكم العزيزي المستمر (فاعتمدت الحملة شعار “استمرار النهج”)، كما انطلقت في جو يطبعه مرشح لا يريد علوا في السلطة ولا فسادا في نهج العشرية. رغم ذلك وقعت من غزواني “زلات لسان” رصدها وسجلها عزيز مثل قوله “للعهد عندي معنى” وقوله انه لا يترشح “من أجل مال ولا جاه” وقوله انه لن يترك أحدا “على قارعة الطريق”. (وكأنه يريد أن يقول: لست صاحبكم الأول). كان ذلك أول مؤشر يريد به المرشح أن يقول، على استحياء، بأن “غزواني ليس عزيز” وإن قبل دخول اللعبة.

بعد نجاح غزواني، ذهب عزيز ليستريح وقد رتب كل شيء لصالحه (بازيب، لجنة تسيير الحزب، البرلمان في أغلبيته، رجال الأعمال). إذن يمكنه أن يقضي وقتا ممتعا قرب بورصة لندن في انتظار أن يعود إلى نواكشوط محمولا على الأكتاف ما بين مطار أم التونسي والقصر الرئاسي.

وبما أن غزواني رجل مخابرات (كان مديرا للأمن)، وبما أنه مثقف ثاقب الفهم، وبما أنه يعرف، عن تجربة، رفيقه، وهو متأكد، حسب كل الدلائل، أنه سوف يزيحه بطريقة أو بأخرى، قام بخطوات سريعة أولها فتح الباب أمام كل الطيف السياسي ليدخل الرئاسة من بابها الواسع ويلقى  فيها الترحيب الصادق بغية إنهاء جو الاحتقان السياسي في موريتانيا. ثم استدعى النواب، وقام بإصلاحات فورية (في مجاليْ حقوق الانسان والصحة على الأقل) محاولا تمهيد الأرضية لرأي عام مساند له في حالة وقوع “ما لا يتصور”. وازداد الانفراج الغزواني بمهرجان شنقيط الذي عكس لوحة وطنية متصالحة ومتعددة الألوان، ارتاح لها كل الموريتانيين: معارضة وموالاة.

وبسرعة غير معهودة، أصبح للرئيس الجديد كاريزما فاجأت كل المحللين. ورغم أنه عين حكومة من تكنوقراط وفر لها الصلاحيات المطلوبة للإنطلاق في عملية الإصلاح، فقد ربط تقييم كل واحد من أعضائها بمستوى أدائه، غير أن احتفاظه بخمسة وزراء من المقربين من عزيز أثر على معنويات الرأي العام الذي بدأ لتوه يلتف حوله، بل إن البعض بدأ يصدق قصة “الوكاف”، فيما نزل تعيين خليل عزيز، وزير المالية والاقتصاد السابق، المختار ولد جاي، كالصاعقة عاصفا بكل ما تبقى من معنويات وأمل لديهم.

رأى عزيز في خطوات الإصلاح التي انتهجها سلفه نوعا من التمرد، بل أصبح يتخوف من أن يعود إلى الرجل ريشه ويعود إليه جناحاه فيطير دون علمه. لكن إبقاء أصدقاء عزيز في دوائر النظام كان كافيا لطمأنته. أما تعيين ولد اجاي على “خزائن أرض موريتانيا” فكان أكبر إشارة لتطمين عزيز على أن غزواني الرئيس ما يزال غزواني المرؤوس حتى ولو دفع غزواني  الرئيس ثمن ذلك من رصيد شعبيته وقيمته لدى الرأي العام. فالرجل لم يفقد فاصلة واحدة من خيط صبره وتؤدته رغم كل الضربات الموجعة (قيل ان الأمير بكار ولد اسويد احمد سئل لماذا يخاير كثيرا قبيلة إديبسات، فقال: “لأنني أخاف أن يكون صبرهم على الحرب كصبرهم على العافية”).

وبعد كل التطمينات والضمانات، تمكن غزواني من إقالة مدير أمن الدولة و5 موظفين سامين من الدوائر المقربة لعزيز.. وبذلك الإجراء انتزع شوكة من فوق الطريق ورفع شيئا ما معنويات الرأي العام الذي ينتظر منه أن يكون “رئيسا” وأن “لا يكون مجرد بائع في حانوت رئيس”.

غير أن أصحاب عزيز بدأوا يستشعرون الخطر فأعلموه، بطرقهم الخاصة والعامة، أن الرجل شب على الطوق، وأنه بدأ يخرج رأسه من الربقة، وأنه لابد من تصرف عاجل فقد أقال المقربين (بمن فيهم مدير المخابرات) وبدأ النقاش مع قوى المعارضة، وانطلق في إصلاحات كبيرة، واستدعى الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله مكرما، فكان لابد لعزيز أن يعود على وجه السرعة إلى نواكشوط لإفشال مساعي غزواني وإحكام الأقفال على “المخطط ب”. وهكذا جاءت مشكلة ولد بوشامه الذي “ملأ الدنيا وشغل الناس” بسبب صورة (مجرد صورة!). والحقيقة، كما قيل في الكثير من الدوائر المطلعة، أن معلومات تسربت تفيد أن عزيز (الرئيس السابق)، الموجود على مسافة بعيدة نسبيا من نواكشوط (في إسبانيا) والمرفوق بشخصين فقط، وفرت له الخطوط الجوية الموريتانية طائرة جديدة وكبيرة، بينما وفرت لغزواني (الرئيس الحاكم)، المتوجه إلى دكار (القريبة)، مرفوقا بوفد كبير، طائرة قديمة وصغيرة. كان ذلك بمثابة من يقول للشعب الموريتاني: “رئيسك ما يزال عزيز، وغزواني ليس إلا مسير حانوت”. فكان لابد، لأصحاب عزيز في دوائر السلطة، من معاقبة أحد عمال الخطوط الجوية، ولابد  من أجل ذلك من البحث عن مبرر، فكانت الصورة التي نشر ولد بوشامه هي العذر “القبيح” الذي يراد منه إخفاء خوف عزيز من تعكير الجو قبل الانقضاض عليه.

جاء عزيز واجتمع ليلا بلجنة تسيير الحزب معلنا لهم، بالإشارة والإماءة، أن “غزواني الرئيس ليس إلا غزواني المرؤوس الذي تعوّد الطاعة”. لأن 10 سنوات من السلطة والقوة والجاه والمال والانقلابات الناجحة والتملق المنقطع النظير رسخت في ذهنه أنه ما يزال يستطيع قلب الموازين متى شاء، وما يزال يتحكم في غزواني كما كان يتحكم فيه، وأن من جعل بازيب والبرلمانيين ورجال الأعمال إلى جانبه لا أحد يمكن أن يقف في وجهه.

عند ما اتصل عزيز بلجنة التسيير، فهم صديقه غزواني، الذي يعرفه لدرجة أنه يمكنه قراءة أفكاره بقرون استشعار بعيدة، أنه سوف يعمد إلى تعجيل “الخطة ب” المتمثلة في تحريك البرلمان وبازيب ورجال الأعمال والخلايا الإعلامية “النائمة”، فقام على الفور بتحريك أكبر أصدقاء عزيز في البرلمان (وهو يعرف أن الكثير منهم جاءوا من الصفر، لا خلفية لهم، وأنهم عبارة عن سلاح ذي حدين: يمكن لأي رئيس أن يستغله بنفس الطريقة التي استغله بها سلفه. فالنائب الذي كان عزيز وحده من له منة عليه، من السهل أن يصبح غزواني وحده من له منة عليه. وقد قال الخليل ولد الطيب في مقابلة بعد الاحتقان بين المحمدين ان النواب، بمن فيهم هو، موالون للكرسي بطبيعتهم). فتخلى النواب عن عزيز كما كان متوقعا، وواحدا تلو الآخر سلخوا جلده، وأصبح عند أقرب مقربيه منهم كالجَرب وأرض الطاعون يجب الابتعاد عنه في أسرع وقت، أو كالسفينة التي تغرق، يجب القفز منها على عجل. أما بالنسبة لفيلق الحرس الرئاسي (بازيب) فقد تأكد غزواني أن المعطيات تدل على إمكانية استخدامه فجأة، فاتخذ إجراءات احترازية لمنع عزيز من القيام بفعل تعوّد القيام به.. إذن سبقه للحظيرة وسد بابها نهائيا. كانت تلك هي الضربة القاضية التي أبعدت عزيز.

كانت صورة مقعد محمد ولد عبد العزيز، بين أحمد ولد داداه وسيدي ولد الشيخ عبد الله، خلال حفل الاستقلال بمدينة اكجوجت، تحكي عن دلالات لا تحصى، أقلها شأنا أن “الدنيا دول”. فصاحب المقعد الشاغر، لأول مرة منذ أزيد من عقد، خان الأول وأهان الثاني، وأبعدهما معًا، وها هما، للمفارقة، يستندان على كرسيه الشاغر ويتبادلان أطراف الحديث (وكأن زلزالا عصف بعشرية اتسمت باحتقار وتهميش الرجلين). إنها صورة ستبقى في المخيلة الجمعية لسنوات وسنوات، فهي تبرهن، في إحدى دلالاتها الكثيرة، على أن غزواني، الصامت الصبور، قلّم أظافر عزيز الهائج المتهور.

ولا أريد أن أختم هذا التحليل السردي قبل أن أعرج على نقطتين خفيفتين: أولهما أنني كنت أناقش مع إطار من “اسنيم” حول المشكلة التي أحدثها قدوم عزيز، فقلت له بأن صفحة الرئيس السابق طويت لغير رجعة، فقال بأن علي أن أعطيه دليلا واحدا “فعزيز معه بازيب، وقد صنع برلمانيين ورجال أعمال لا يفترون عن خدمته، وغزواني، منذ ترأس إلى حد الساعة، لم يقم بأي إجراء غير عزل طباخ في الرئاسة”. فقلت له، من ضمن ما قلت له، ان “أمرا تجاوز صبرَ سيدي ولد الشيخ عبد الله (الشيخ الوقور، المدني)، لا يمكن أن يصبر عليه عسكري مثقف، وعارف بكل تفاصيل وقدرات وتهورات صديقه”.

أما الثانية، فهي أنني، كلما سمعت نقاشا حول غزواني اللين، وعزيز المتمنع القاسي، أتذكر وزارة التعليم، في سنوات خلت، عندما كان يصول فيها ويجول مدير للتعليم الأساسي، مستندا على علاقة قربى بالرئيس معاويه ولد الطايع، ففشل كل وزراء التعليم الأشداء، أصحاب الشخصيات القوية (اسغير ولد امبارك، لمرابط سيدي محمود، لوليد ولد وداد…) في ثنيه عن أي قرار جائر، تاركين له الحبل على الغارب خوفا من أن يبطش بهم. وبعد أن أصبح “ملكا” على وزراء التعليم قيّض الله له الوزير بابه ولد سيدي، المعروف بالصبر والتأني وتوطئة الأكناف والخوف من أي صدام مع أي أحد، فأزاحه وأراح منه العباد، تماما كما رأينا اليوم بعد أن تمكن غزواني، الحليم الصبور، من إزاحة عزيز الهائج المتهور.